حسناء ديالمة

63

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق

العصر كان تهديد الدّين الإسلامي ، فهي تدعو إلى آراء تخالف تعاليم الإسلام » « 1 » . وقد قتل كثيرون من رؤوس الزنادقة في العصر العباسي « يتقدمهم ابن المقفع الذي قتل في عهد أبي جعفر المنصور » « 2 » . وفي وسط هذا الجو ، تعدّدت الفئات الدينية في المجتمع الإسلامي ؛ فكان منها أهل الذمة ، وهم النصارى واليهود ، وقد عاشوا بين المسلمين ، بالأمن والحرية في شتىّ المجالات ، و « كانوا يتمتّعون بكثير من التسامح الديني ، ويقيمون شعائرهم الدينية في أمن ودعة » « 3 » . فقد كانت نتيجة الانفتاح الثقافي والفكري على الملل والنحل انتشار الفلسفة اليونانية بموضوعاتها ومفاهيمها ومصطلحاتها الجديدة « فأصبحت المناقشات الفلسفية عامة في كل حاضرة من حواضر العالم الإسلامي » « 4 » . وتغلغل معها الشك بين المسلمين فكثرت الشبهات . وطغت موجة الأفكار المنحرفة ، فكان أرباب الديانات يتجادلون في أديانهم ، ويقفون مواقف الهجوم والدفاع ، ويدعون إلى دينهم بأدلّة عقلية مؤسسة على منطق أرسطو وقد كانت الدعوة إلى الإسلام في العصر الأول أكثر ما تعتمد على الأسلوب الفطري والانتباه إلى الكون وآثاره . أمّا في هذا العصر ، « فتحولت الدعوة الدينية إلى علم الكلام ، وتأثر تفسير القرآن وتفسير الحديث والتشريع بهذا الأثر الفلسفي ورأينا العلماء يجتهدون في شرح كل ما يعرض لهم من ذلك بعلل عقلية وعبارات منطقية » « 5 » . وكذلك نضج علم الكلام في العصر العباسي الأول ، وانتشر الخلاف وكثر الجدل وكان النزاع يملأ حلقات العلم ، والمناظرات تقع في مجالس الخلفاء في المساجد وفي الشوارع . وفي وسط هذه الأفكار والآراء نرى أنّ « الصادق كان ذا تفكير مستقل ، وكان يوجّه ولا يتأثّر بالآراء وكان غير مقيد بنحلة وفرقة بل كان فوق تنازع الفرق » « 6 » وكان يبيّن مقدار ما فيها من الحق وكان المصلح الذي تولّى تربية الجيل المسلم على منهج خاصّ « ومنهاجه القويم الذي رسمه لنفسه هو الالتزام بالكتاب والسّنة » « 7 » وسنفصل الكلام عليه فيما بعد عند كلامنا على آرائه التربوية في البحوث التالية .

--> ( 1 ) علي حسن الخربوطلي ، المهدي العباسي ، الدار المصرية ، 1984 ، ص 147 . ( 2 ) شوقي ضيف ، العصر العباسي الأول ، مرجع سابق ، ص 81 . ( 3 ) حسن إبراهيم حسن ، تاريخ الإسلام ، مرجع سابق ، ج 3 ، ص 425 . ( 4 ) السيد مير علي الهندي ، مختصر تاريخ العرب والتمدن الإسلامي ، القاهرة ، 1938 ، ص 179 . ( 5 ) أحمد أمين ، ضحى الإسلام ، مرجع سابق ، ص 9 . ( 6 ) محمد أبو زهرة ، الإمام الصادق ، ج 1 ، ص 79 وص 117 ( 7 ) المصدر نفسه ، ص 79 .